السيد الطباطبائي
23
تفسير الميزان
قوله تعالى : " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون " المراد بالسماء جهة العلو فإن ما علاك وأظلك فهو سماء ، والمراد بالماء النازل منها ماء المطر . وفي قوله : " بقدر " دلالة على أن الذي نزل إنما نزل على حسب ما يقتضيه التدبير التام الإلهي الذي يقدره بقدر لا يزيد قطرة على ما قدر ولا ينقص ، وفيه تلميح أيضا إلى قوله : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم " الحجر : 21 . والمعنى : وأنزلنا من جهة العلو ماء بقدر وهو ماء المطر فأسكناه في الأرض وهو الذخائر المدخرة من الماء في الجبال والسهول تتفجر عنه العيون والأنهار وتكشف عنه الآبار ، وإنا لقادرون على أن نذهب بهذا الماء الذي أسكناه في الأرض نوعا من الذهاب لا تهتدون إلى علمه . قوله تعالى : " فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب " إلى آخر الآية ، إنشاء الجنات إحداثها وتربيتها ، ومعنى الآية ظاهر . قوله تعالى : " إلى شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " معطوف على " جنات " أي وأنشأنا لكم به شجرة في طور سيناء ، والمراد بها شجرة الزيتون التي تكثر في طور سيناء ، وقوله : " تنبت بالدهن " أي تثمر ثمرة فيها الدهن وهو الزيت فهي تنبت بالدهن ، وقوله : " وصبغ للآكلين " أي وتنبت بصبغ للآكلين ، والصبغ بالكسر فالسكون الادام الذي يؤتدم به ، وإنما خص شجرة الزيتون بالذكر لعجيب أمرها ، والمعنى ظاهر . قوله تعالى : " وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها " الخ ، العبرة الدلالة يستدل بها على أنه تعالى مدبر لأمر خلقه حنين بهم رؤوف رحيم ، والمراد بسقيه تعالى مما في بطونها أنه رزقهم من ألبانها ، والمراد بالمنافع الكثيرة ما ينتفعون من صوفها وشعرها ووبرها وجلودها وغير ذلك ، ومنها يأكلون . قوله تعالى : " وعليها وعلى الفلك تحملون " ضمير " عليها " للانعام والحمل على الانعام هو الحمل على الإبل ، وهو حمل في البر ويقابله الحمل في البحر وهو الحمل على الفلك ، فالآية في معنى قوله : " وحملناهم في البر والبحر " أسرى : 70 ، والفلك جمع فلكة وهي السفينة .